الاثنين، 23 يوليو، 2012

شاطىء الخريف


 
جو مقيت سيطر على الحياة فى ذلك اليوم حين امتطى جواده وانطلق. الغيوم تتسابق لتمنع ضوء الشمس من الانتشار وازالة هذا الجو الضبابى القاتم. السماء تشهق  شهيقا متقطعا تحاول فيه جاهدة التنفس بعد ان كادت تخنقها الغيوم الرمادية الكئيبة، فلم تستطع سوى ان تدمع عيناها من شدة الاختناق، وليتها استطاعت ان تبكى لعل دموعها تنقى الجو وتزيل الغيوم. فى هذا الجو الكريه المصطبغ باللون الرمادى، امتطى جواده وانطلق بلا هدف الى اللا مكان. انه لا يريد  شىء فى الحياة سوى الابتعاد بجواده الى اقصى ما يمكنه الوصول. لا يهم الى اين ولكن ما يهمه ان يبتعد يبتعد كثيرا وسريعا. وقد وصل الى هناك فتوقف ، سأل نفسه لما توقف فى هذا المكان تحديدا ولم يتوقف من قبل فى مكان مر عليه مذ ان بدا رحلته ؟ ما الذى جذبه الى هذا المكان فصرفه عن رحلته الغامضة؟ هل لانه شاطىء البحر الجميل فجذبه شدة صفرة رماله وزرقة مياه البحر امامه والشمس الساطعة فوقه؟  لا لم يجذبه اى من تلك الاشياء للتوقف عند الشاطىء لا لانه لايحب الشواطىء أو أن هموم نفسه قد فاضت وأعمت عينيه عن رؤية الجمال بل لان ذلك الشاطىء استثناءا لم يكن به شيئا من تلك الهبات الربانية التى تخلب الالباب.  ما الذى جعله يتوقف هنا؟ أهو ذلك الصوت العذب الرقيق الذى ينطلق من مكان ما من الشاطىء ؟ من أين  ياتى ذلك الصوت؟ تلفت حوله لتقع عيناه على فتاة رقيقة، تجلس على احد صخور الشاطىء، تمسك باناملها الدقيقة نايا صغيرا فى صغر حجم يدها ودقتها ، تعزف لحنا حزينا يعبر عن مدى الحزن التى يكتنفها والشوق الذى يجيش فى صدرها له والحب الذى مازال يكنه قلبها له بالرغم من كل الهموم والامواج العاتية التى عصفت بذلك الحب و  أردته غريقا فى دوامات بحرها الهائج .كم جذبته الفتاة وكم احزنه منظرها المؤلم الحزين .ترجل عن جواده وذهب اليها. جلس بجوارها يستمع للحنها، فما ان انتهت منه حتى التفتت اليه قائلة:
 يجب عليك الرحيل، لاتبقى كثيرا فى شاطىء الخريف، والا لن ترحل منه ابدا ولو حملت نفسك على الرحيل ستظل روحك هنا فى الشاطىء تنتظر عودتك اليها فتعود دون ان تشعر ودون ان تعبىء بما سيكون .
سألها: ما حكاية ذلك الشاطىء ؟ولم يجب على الرحيل منه؟.
 اجابته:  يبدو انك لم تسمع به انه شاطىء الخريف الشاطىء الذى تتحطم احلام المحبين على صخوره الحادة فتجرفها الامواج الى سواد ذلك البحر وتخطف منك حبك بعد ان تزرع فى قلبك حب ذلك المكان فلا ترحل منه ابدا. تجلس وتنتظر ان يعود اليك حبك وبرغم يقينك انه لن يعود فانك لا تملك سوى الجلوس والانتظار، فقلبك قد تعلق بالمكان هنا ولا يمكنك تركه والذهاب،  فتقبع مقيدا باغلال قلبك الذى اصبح ذلك الشاطىء جزءا منه ولو تركته ورحلت لفقد قلبك جزءا منه ما يلبث ان يجبره على العودة ،كأن هناك لعنة ما فى هذا الشاطىء لذا يجب عليك الرحيل.
 صمتت لبرهة ثم قالت: أتعرف لم سمى بشاطىء الخريف لان كل شىء عليه ذابل كاشجار الخريف وكل من ياتى اليه يذبل مثله .
 كان يتطلع الى وجهها متاملا عندما قالت له ذلك، وبينما هو يسبح بفكره شاهد شابا يمشى بلا روية جيئة وذهابا على الشاطئ وفجاة توقف ولوح بيده ثم انطلق يجرى مهرولا .
 قالت له الفتاة:  لا تعجب انه مثلى ينتظر حبيبته الغائبة ولكنه لم يجد الاطيف ذكراها الذى لا يزال يسكن الشاطئ فهرول وراءه لعله يوصله اليها.
 قالت ذلك ثم ساد الصمت من جديد لتقطعه رؤية امراة ما نزلت الى البحر وتقدمت فيه حتى لتوشك ان تغرق فيه،هب بسرعة لينقذها فمنعته الفتاة قائلة:
لا تحاول انك لا تنقذها بل تزيد من عذابها ، صرخ فيها محاولا التملص منها "ستموت "ابتسمت الفتاة بسخرية قائلة : 
 لا تخف لا احد يموت مرتين كل ما على هذا الشاطئ قد مات منذ زمن. تملص منها وحاول ان يلحق المرأة الاخرى لكن موعدها كان محددا من قبل ان ياتى ومهما حاول فلن يستطع انقاذها انه موعدها ولا يوجد قوة فى الوجود يمكنها تاخيره. عاد يجلس على الصخرة جوار الفتاة لاهثا .
 فقالت له:  قلت لك ألا تحاول .
 صرخ فيها :  لما منعتنى ؟ كان يمكننا انقاذها.
 ضحكت الفتاة قائلة :   هل تظن ذلك حقا؟  لو كان يمكن انقاذها لانقذت حتى لو لم تكن موجودا ولم يكن هنا احد ولكنه قدرها. قدرها ان تحب وتاتى الى شاطئ الخريف وتفقد حبها ويتعلق قلبها بالشاطئ الى ان تموت فى احضان بحره المظلم القاسى  انه القدر ولا تستطيع فعل شئ حياله.
 صدمته كلماتها فعاد الى صمته وعادت هى تسأله لما جئت الى هنا ؟ اجاب: لم اقصد المجئ ولا اعرف كيف وصلت الى هنا .ما اعرفه انى خرجت ذات يوم ممتطيا ظهر فرسى فى يوم رمادى مظلم بحثا عن شمس تضئ حياتى فلم اجد الا مزيدا من الضباب والظلام وانتهيت الى شاطئ تطوف به لعنة ما دون ان ارى  الشمس ولا قبس من شعاعها . 
 قالت له: ولم تكن لتجدها. الشمس لا تسطع على من يجيئها هاربا، واجه الظلام لتسطع عليك الشمس. 
 رد :  لا استطيع العودة.
  قالت له :  لا تعد ابقى فى الشاطئ وتعلق به كما تعلق به من سبقك وحاول نسيان الشمس فلن تراها ابدا.
 بعد ذلك فكر فى كلامها ثم قال فجاة :  وانتى مادمت تعرفين ان الشمس تسطع على من يواجه لما لم تواجهى ؟.
 ابتسمت قائلة   : أنسيت ما قلته لك ان قلبى متعلق بهذا الشاطئ لقد انتظرت طويلا حتى نحتت امواج البحر قلبى كما نحتت صخور الشاطئ . لا يمكنك مواجهة الظلام واستقبال الشمس بقلب منحوت لذا قلت لك ان ترحل سريعا قبل ان تصيبك اللعنة .
 أعاد التفكير فى كلامها ،  ثم وقف واتجه نحو فرسه.
 فنادته الفتاة قائلة  : اذا سطعت عليك الشمس فلا تهرب منها ولا تعد ابدا الى شاطئ الخريف .
أومئ لها برأسه  ايجابا ثم ركب فرسه وانطلق الى حيث تشرق شمسه أما هى فعادت تستكمل لحنها الحزين .
23/7/2012
رضوى

هناك تعليق واحد:

  1. الفكرة حلوة وعجبتني.. وعجبني خيالك أوي
    القصة كأنها سرد لحلم..


    تسلم إيدك

    ردحذف